أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
573
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
« أولادهنّ » عامّ ، لإضافته إلى ضمير العامّ ، وإن كان أيضا جمع قلة . ومنه إبراز الجملة الثانية مبتدأ وخبرا ، والخبر جارّ ومجرور بحرف « على » الدالّ على الاستعلاء المجازي في الوجوب وقدّم الخبر اعتناء به . وقدّم الرزق على الكسوة لأنه الأهمّ في بقاء الحياة ولتكرره كلّ يوم ، وأبرزت الثالثة فعلا ومرفوعه ، وجعل مرفوعه نكرة في سياق النفي ليعمّ ويتناول ما سبق لأجله من حكم الوالدات في الإرضاع والمولود له في الرزق والكسوة الواجبتين عليه للوالدة ، وأبرزت الرابعة كذلك لأنها كالإيضاح لما قبلها والتفصيل بعد الإجمال ، ولذلك لم يعطف عليها كما ذكرته لك . ولمّا كان تكليف النفس فوق الطاقة ومضارّة أحد الزوجين للآخر ممّا يتكرّر ويتجدّد أتى بهاتين الجملتين فعليتين وأدخل عليهما حرف النفي وهو « لا » لأنه موضوع للاستقبال غالبا . وأمّا في قراءة من جزم فإنّها ناهية ، وهي للاستقبال فقط ، وأضاف الولد إلى الوالدة والمولود له تنبيها على الشفقة والاستعطاف ، وقدّم ذكر عدم مضارّة الوالد مراعاة لما تقدّم من الجملتين ، إذ قد بدأ بحكم الوالدات وثنّى بحكم الوالد . ولولا خوف السآمة وأنّ الكتاب غير موضوع لهذا الفنّ لذكرت ما تحتمله هذه الآية الكريمة من ذلك . قوله : وَعَلَى الْوارِثِ مِثْلُ ذلِكَ هذه جملة من مبتدإ وخبر ، قدّم الخبر اهتماما ، ولا يخفى ما فيها ، وهي معطوفة على قوله : « وعلى المولود له رزقهنّ » وما بينهما اعتراض ؛ لأنه كالتفسير لقوله « بالمعروف » كما تقدّم التنبيه عليه . والألف واللام في « الوارث » بدل من الضمير عند من يرى ذلك ، ثم اختلفوا في ذلك الضمير : هل يعود على المولود له وهو الأب ، فكأنه قيل : وعلى وارثه ، أي : وارث المولود له ، أو يعود على الولد نفسه ، أي : وارث الولد ؟ وهذا على حسب اختلافهم في الوارث . وقرأ يحيى بن يعمر : « الورثة » بلفظ الجمع ، والمشار إليه بقوله : « مثل ذلك » إلى الواجب من الرزق والكسوة ، وهذا أحسن من قول من يقول : أشير به إلى الرزق والكسوة . وأشير بما للواحد للاثنين كقوله : عَوانٌ بَيْنَ ذلِكَ « 1 » . وإنما كان أحسن لأنه لا يحوج إلى تأويل ، وقيل : المشار إليه هو عدم المضارّة ، وقيل : أجرة المثل ، وغير ذلك . قوله : عَنْ تَراضٍ فيه وجهان : أحدهما : - وهو الظاهر - أنه متعلّق بمحذوف إذ هو صفة ل « فصالا » ، فهو في محلّ نصب أي : فصالا كائنا عن تراض ، وقدّره الزمخشري : صادرا عن تراض ، وفيه نظر من حيث كونه كونا مقيّدا . والثاني : أنه متعلق بأراد ، قاله أبو البقاء ، ولا معنى له إلّا بتكلف . و « عن » للمجاوزة مجازا لأنّ التراضي معنى لا عين . و « تراض » مصدر تفاعل ، فعينه مضمومة وأصله : تفاعل تراضو ، ففعل فيه ما فعل ب « أدل » جمع دلو ، من قلب الواو ياء والضمة قلبها كسرة ، إذ لا يوجد في الأسماء المعربة واو قبلها ضمة لغير الجمع إلا ويفعل بها ذلك تخفيفا .
--> ( 1 ) سورة البقرة ، آية ( 68 ) .